عبد السلام محمد هارون ( اعداد )

54

نوادر المخطوطات

ولم يزل المترجم يخدم العلم ويرقى في درج المعالي ، ويحرص على جمع الفنون التي أغفلها المتأخرون ، كعلم الأنساب والأسانيد وتخاريج الأحاديث واتصال طرائق المحدثين المتأخرين بالمتقدمين . وألف في ذلك كتبا ورسائل ومنظومات وأراجيز جمة ، ثم انتقل إلى منزل بسويقة اللالا ، تجاه جامع محرم أفندي ، بالقرب من مسجد شمس الدين الحنفي ، وذلك في أوائل سنة 1189 ، وكانت تلك الخطة إذ ذاك عامرة بالأكابر والأعيان ، فأحدقوا به وتحبب إليهم واستأنسوا به وواسوه وهادوه ، وهو يظهر لهم الغنى والتعفف ، ويعظهم ويفيدهم بفوائد وتمائم ورقى ، ويجيزهم بقراءة أوراد وأحزاب . فأقبلوا عليه من كل جهة ، وأتوا إلى زيارته من كل ناحية ، ورغبوا في معاشرته لكونه غريبا وعلى غير صورة العلماء المصريين وشكلهم ، ( ويعرف باللغة التركية والفارسية ) ، بل وبعض لسان الكرج ، فانجذبت قلوبهم إليه ، وتناقلوا خبره وحديثه . ثم شرع في إملاء الحديث على طريق السلف في ذكر الأسانيد والرواة والمخرجين من حفظه على طرق مختلفة . وكل من قدم عليه يملى الحديث المسلسل بالأولية ، وهو حديث الرحمة برواته ومخرجيه ، ويكتب له سندا بذلك وإجازة وسماع الحاضرين فيعجبون من ذلك . ثم إن بعض علماء ( الأزهر ) ذهبوا إليه وطلبوا منه إجازة ، فقال لهم : لا بد من قراءة أوائل الكتب ، واتفقوا على الاجتماع بجامع شيخون بالصليبة الاثنين والخميس تباعدا عن الناس ، فشرعوا في صحيح البخاري بقراءة السيد حسين الشيخونى ، واجتمع عليهم بعض أهل الخطة والشيخ موسى الشيخونى إمام المسجد وخازن الكتب ، وهو رجل كبير معتبر عند أهل الخطة وغيرها . وتناقل في الناس سعى علماء الأزهر مثل الشيخ أحمد السجاعى ، والشيخ مصطفى الطائي ، والشيخ سليمان الأكراشى وغيرهم للأخذ عنه ، فازداد شأنه وعظم قدره ، واجتمع عليه أهل تلك النواحي وغيرها من العامة والأكابر والأعيان ، والتمسوا منه تبيين المعاني فانتقل من الرواية إلى الدراية ، وصار درسا عظيما ، فعند ذلك انقطع عن حضوره أكثر الأزهرية ، وقد استغنى عنهم هو أيضا وصار يملى على الجماعة بعد قراءة شيء من الصحيح حديثا من المسلسلات أو فضائل الأعمال ، ويسرد رجال سنده ورواته من حفظه ويتبعه ( بأبيات من الشعر ) كذلك ، فيتعجبون من ذلك لكونهم لم يعهدوها فيما سبق في المدرسين المصريين .